الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
135
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
وأما ما ذكر من سخائه وجوده وكرمه ، فاعلم أن السخاء صفة غريزية ، وفي مقابلته الشح ، والشح من لوازم صفة النفس ، قال اللّه تعالى : وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ « 1 » فحكم بالفلاح لمن وقى الشح ، وحكم بالفلاح أيضا لمن أنفق وبذل فقال : وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ « 2 » أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ « 3 » والفلاح أجمع اسم لسعادة الدارين . وليس الشح من الآدمي بعجيب ، لأنه جبلى فيه ، وإنما العجب وجود السخاء في الغريزة ، والسخاء أتم وأكمل من الجود ، وفي مقابلته البخل ، وفي مقابلة السخاء الشح ، والجود والبخل يتطرق انتهى الاكتساب بطريق العادة بخلاف الشح والسخاء إذ كان ذلك من ضرورة الغريزة ، فكل سخى جواد وليس كل جواد سخيّا . والجود يتطرق إليه الرياء ، ويأتي به الإنسان متطلعا لغرض من الخلق أو الحق بمقابلة من الثناء أو غير ذلك من الخلق والثواب من اللّه تعالى ، ولا يتطرق الرياء إلى السخاء لأنه ينبع من النفس الزكية المرتفعة عن الأغراض . أشار إليه في عوارف المعارف . وقد كان رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - أحسن الناس وأشجع الناس وأجود الناس « 4 » رواه البخاري ومسلم من حديث أنس . وأجود : أفعل تفضيل ، من الجود وهو إعطاء ما ينبغي لمن ينبغي ، ومعناه : هو أسخى الناس ، ولما كانت نفسه أشرف النفوس ومزاجه أعدل الأمزجة لا بد أن يكون فعله أحسن الأفعال ، وشكله أملح الأشكال ، وخلقه أحسن الأخلاق ، فلا شك يكون أجود الناس ، وكيف لا وهو مستغن عن الفانيات بالباقيات الصالحات . واقتصار أنس على هذه الأوصاف الثلاثة من جوامع الكلم ، لأنها أمهات
--> ( 1 ) سورة الحشر : 9 . ( 2 ) سورة البقرة : 3 ، وسورة الأنفال : 3 ، وسورة الحج : 35 ، وسورة القصص : 54 ، وسورة السجدة : 16 ، وسورة الشورى : 38 . ( 3 ) سورة البقرة : 5 . ( 4 ) صحيح : أخرجه البخاري ( 2820 ) في الجهاد والسير ، باب : الشجاعة في الحرب والجبن ، ومسلم ( 2307 ) في الفضائل ، باب : في شجاعة النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - وتقدمه للحرب .